نظرات
نظرات

كانت تراقبه من خلال بخار كوب اللاتيه الساخن الذي أحضره له النادل في المقهى الراقي الذي كاد يغيب عنه الزوار في هذا الوقت بعد قليل من ساعة العصر ، إستنتجت هادية أنه زبون دائم للمقهى طالما يطلب أفضل ماتجود به القائمة ، لم يكن يبعد عنها إلا بمسافة طاولة واحدة خالية إستطاعت من خلالها أن تعيد إكتشافه فهو يبدو أنه أكبر منها بعشر سنوات حيث ملامحه تشير إلى أنه في منتصف الثلاثينات ، أناقته الواضحه تبعث عليه جمالاً خاصاً ، ساعة يده تشير إلى أنه ودع الفقر منذ قرون ، عطره النفاذ المنتشر بالمكان جعلها تستنشق فيه لأول مرة رائحة من يشاركها فراشها دون أن تنفر منه ، كانت مشكلتها الدائمة أنها لاتستطيع أن تنام بجوار أحد حتى لو كانت شقيقتها التي تصغرها بعامين فكانت فكرة أن ينام بجوارها رجل صعبة القبول وهاهو يأتي بسحر رائحته لتقبل الفكرة المستحيلة
أشاحت بوجهها عندما إكتشفت أنها اطالت النظر إليه بالرغم من عدم تلاقي نظراتهما قط ، شعرت أنه ينظر إليها فلم تنظر إليه حتى تعطيه الفرصة ليتفحصها مثلما أتاحها لها ، ثم مالبثت أن قررت مفاجأته بالنظر إليه لتنتقل للمرحلة التالية ، نظرت له نظرة حانقة عندما إكتشفت أنه ينظر على النافذة خلف مقعدها ، سريعاً تبدلت تعبيرات وجهها عندما حول بصره عليها بإبتسامه هادئة خجولة سريعة بادلتها بإبتسامة واسعة لم تفلح في أن تجعلها خجولة ، كانت نغمة هاتفه المحمول العادية تشير إلى أنه شخصية واثقة ومتزنة ، أتاح إنشغاله بالمكالمة أن تعيد تفحصه من جديد بينما يتسرب إلى مسامعها حوار بلغة فرنسية رقيقة سليمة لاتجيدها
تأخر صديقتها ناهد ساعدها في أن تمارس لعبة النظرات .... التي كانت تجيدها بتفوق بارع ، كانت عينيها تسأله أهذه فتاة ... فؤجئت به وهو يتحدث يحرك وجهه بالنفي ، سألته بعينيها هل أنت متزوج أفرد أصابع يديه اليسرى الخالية من أي أثار للزواج .... إسمك إيه ؟ هكذا كانت نظرتها التالية متسائلة ، لم تكن تعلم أنها تجيد الكلام بلغة العيون بهذا الحد عندما رد على محدثه بلكنة واضحة مجيباً إياها ... عادل
تلاشت سخونة كوب اللاتيه لتنتقل إلى عيونه التي تسألها وهو يرشف رشفته الأولى من أين لك بهذه الجاذبية ، إبتسمت خجلاً ولم تجبه ، إنزعجت وهي تقرأ الجملة التالية في عينيه ، أريد ان آخذك بين أحضاني في قبلة طويلة ، أعادت قرائتها مرة أخرى بعد لحظات عسى ان تكون قد أخطأت السمع لتجده يكرر مايقوله ، وأنا ياحبيبي أشتهيك زوجا لي بين أحضانك ، هذا ما نطقت به عينيها ولم تستطع أن تخفيه للحظات قبل وصول ناهد التي جلست أمامها لتغلق تماما حديث العيون
هذا أفضل .. هكذا ترجمت ماتقوله عينيه عندما تحركت بمقعدها جانباً يتيح لها رؤيته بعدما أغلقت ناهد عليها نوافذ الحياة ، بينما ناهد تحدثها حديثا لم تعي منه شيئا كان ذهنها مشغولا كيف تعبر عينيها عن جملتها التالية وهي طلبها له بالإكتفاء بهذا القدر من حوار العيون لتنتقل إلى حوار الشفاه حيث تخرج الأصوات بعواطف أدق تعبيراً وأكثر تحديداً ، لم تصدق أنها نجحت في ان تصل له هذه العبارة عندما أطاح بوجهة ناحية النافذة المجاورة له والمطلة على الطريق وكأنه يدعوها للإنطلاق خارج المقهى حتى يتسنى الحديث معها ، أومأت برأسها بما معناه أنها موافقة ولكن ليس الآن عندما نظرت الى ناهد صديقتها ، كانت سعيدة أن ناهد مازالت مسترسلة في حديثها وغير منتبهة إلى عدم إدراكها لحديثها أو أي نظرة تحدثت بها إلى هذا الجمال الدافئ القابع في الركن الآخر من المقهى ، إبتهجت ناهد عندما جاءها النادل بكوب اللاتيه بدلا من فنجانها الإسبرسو المعتاد والذي من خلال بخاره إستطاعت أن تستكمل مراقبته بعدما قد أنهى هو كوبه
يبدو أن الوقت حان للمقابلة ... أمسك بمفاتيحه وهاتفه المحمول وإستعد للخروج وهو ينظر لها قائلا أن الوقت قد حان لمقابلتها خارج المقهى ، ثواني بعد خروجه كانت تتأهب للقيام والإستئذان من ناهد لدقيقتين خارج المقهى ... وهي في طريقها إلى الخارج وبحركة تلقائية معتادة رفعت يدها لتتحسس خدها لتكتشف أنها مازالت ترتدي نضارتها الشمسية بينما أذنها تلتقط صوت محرك سيارة وإحتكاك إطارات يتلاشى بعيدا







