المنصورة .. رايح جاي
رحلة إلى الماضي
.jpg)
قررت أن تستريح من عناء قيادة السيارة لتستمتع برؤية جنبات الطريق كي تسترجع أيام الحرية ، أيام ماكانت طالبة مغتربة في جامعة المنصورة ، وجدت بصعوبة موقف لسيارتها في شارع الجلاء بالقاهرة قبل أن تستقل الأتوبيس المنطلق لمدينة الذكريات ، إنتظرت قليلاً في محطة الأتوبيس حتى جاء رجل عجوز أشيب وجدته مناسباً لأن تقف خلفه في الطابور الذي ينتهي بشباك التذاكر ، بذلك تضمن أن تجلس بجوار شخص لن يتقرب لها أو يحادثها حديث خائب يمنعها عن الإستغراق في أحلام الطريق مع الماضي ، الماضي الذي بدأت تستعيده في وجه محصل شباك التذاكر القابع على مقعده منذ كانت طالبة وكأن الزمن توقف عنده كما تتمنى لو توقف هو الآخر عندها ، على غير عادة المسافرات منفردات أخذت موقعها بجوار نافذة الأتوبيس القابع في إنتظار لحظة الإنطلاق
أخذت ترقب الرجل العجوز رفيق الطريق من النافذة وهو يحتسي زجاجة مياة غازية مع قطعة بسكويت يلوكها بدون أسنان فتمتد شفتيه للأمام والخلف بطريقة كوميدية دفعتها للإبتسام ، إنكمشت في مقعدها كي توفر مساحة كافية للعجوز الذي أخذ طريقه للصعود بصورة لا تجعله يتلامس معها حيث كانت تنفر ملامسة أي جسد رجل لها بشكل مبالغ فيه ، تعداها الرجل وجلس في مقعد آخر يبعد عنها مسافة مقعدين في نفس اللحظة التي جاء القدر ليجد له مكاناً متمثلاً في حاتم رجلاً وقوراً في منتصف الثلاثينات تأففت على أثره ريهام موليه وجهها ناحية النافذة تفادياً لأي محاولة تعارف ، تحركت المركبة حتى وصلت بداية الطريق الزراعي الذي تغير كثيراً وحلت فيه كتل أسمنية قبيحة مكان مساحات ريفية خضراء ، دفعت ريهام لتغير وجهة نظرها لترمق بطرف عينيها الجالس بجوارها ولأول مرة تنتبه لحاتم
بالفعل إنه حاتم زميل درستها خلال أربعة أعوام في كلية الآداب إكتشفت لاحقا أنهما كانا من أفضل أعوامها ، كانت يومها فتاة مرحة منطلقة محط أنظار وإعجاب زملائها ومن بينهم حاتم ، تعود لتنظر بالنافذة لتتذكر هذا اليوم الذي تعتقد أنه كان اسوأ أيام حاتم على الإطلاق ، عندما حاول أن يعرب عن إعجابه بها في محاولة تشييد علاقة عاطفية مثل معظم الفتيات والشباب الذي يرتبط معظمهم بعلاقة خاصة مع زميل أو زميلة ، لم يكن يدرك وقتها أنها مرتبطة بهاني تلك العلاقة التي فشلت مثل فشل علاقات جميع قريناتها ، تتذكر إهانة هاني القاسية له في نفس اليوم عندما وبخه وسخر منه أمام الطلبة والطالبات بصورة وقحة عقدت لسان حاتم ، فلم يكن رده سوى نظرة لوم وتأنيب لها مازالت تتذكر حدتها بالرغم من عدم إكتراثها وقتها ، نظرت ريهام لحاتم الجالس بجوارها بطرف عينيها مرة أخرى عسى أن تجد منه أي نظرة يستطيع من خلالها أن يتعرف عليها ، ولكن كانت عينيه مثبته على صفحات كتاب إضطرت أن تنظر له بطريقة صريحة لتتبين عنوانه ، لمحت على الكتاب إسم ألبير كامي والعنوان كان "الغريب" ، إبتسمت للمصادفة محدثة نفسها أمازال هذا الرجل يقرأ أدب عالمي مع صراع الحياة اليومي ، تذكرت أنها هجرت القراءة يوم أصبحت زوجة لرجل سلبي مادي بخيل لايقل بخله عن شحه العاطفي معها ، تذكرت أن حاتم غاب عن الكلية لمدة إسبوعين كاملين عقب يومه الأسود وبعدها لم تره إلا على فترات متباعدة وكان دائماً يشيح بوجهه للجهة الأخرى إذا ما تلاقت الأعين ، وكأن حاتم مازال على عهده حتى اليوم في ألا ينظر لها
تسائلت ريهام عن من تكون زوجته .. جميلة أم دميمة ، محجبة أم متبرجة ، تعمل أم ربة منزل .. رسمت لها صورة ترضيها في هيئة ربة منزل ذات صلة قرابة مترهلة كئيبة متسلطة ، مع حركة المركبة المتهدهدة تبددت أمنيتها أن يتعرف عليها عندما أدركت أن يغط في نوم عميق دون صدور هذا الصوت التي إعتادت عليه منذ أصبحت تحمل لقب زوجة عندما يشرع شريك حياتها في النوم ، نومه العميق جعلها تتأمله دون تلصص وجدته وسيماً لم يغير النوم من قسمات وجهه المريحة ، لم يترهل وجهه ولم يفتح فمه مثلما إعتادت أن ترى شريكها ، عدلت من إتجاه وجهها للأمام عندما سمعت صوت هاتفه المحمول برنة تقليدية خافتة تشبه صوت رنة تليفون المنزل ، من المكالمة وبالرغم من صوته الخافض إستطاعت أن تدرك أنه هو الآخر في زيارة إستثنائية تنتهي في مغرب هذا اليوم بعدما ترك سيارته هو الآخر في القاهرة ليتفادى أعباء القيادة ، وكانت كلمة سر العودة تكمن في الساعة السادسة ، توقف الأتوبيس في نهاية الرحلة وقف بجوارها متأهباً للنزول وإلتفت إليها لأول مرة بوجه يحمل إبتسامة هادئة تزيل عناء الدنيا موجهاً حديثه لها في ستة كلمات " حمد الله على السلامة يامدام ريهام " ، أقعدتها المفاجأة عن الرد وعندما بادرت بالرد كان قد إختفى أثره وكأنه كان حلم
في جامعتها أمضت بعض الوقت في إسترجاع ذكريات الماضي وهي تنهي إجراءات إستخراج صورة من شهادة التخرج لعملها الجديد بعدما فقدت نسختها منذ أعوام طويلة ، جميلة هي الجامعة لم تتغير مثلما تغيرت أشياء كثيرة جميلة ، كانت ترى جامعتها أجمل الجامعات لازالت على عهدها جميلة ساحرة شابة نظيفة أنيقة ، لكنها لاحظت التغيير في شكل وملبس ووجوه الطلبة والطالبات ، لم يكن الحجاب ولم تكن اللحي بتلك الكثرة ، ولم يكن الإبتذال والتعاملات بهذا السوء ، أشرفت الساعة على الواحدة ظهراً عندما أنهت مهمتها وعلى وجهها إبتسامة عندما وجدت حرف د. معلق على يافطة إحدى الحجرات يسبق إسم زميلة لها كانت يوماً تتيم حباً بهاني الصعلوك الذي إرتبطت به مدة دراستها ، لم تتخذ ريهام وجهتها الطبيعية لمحطة الأتوبيس ولكنها إستغلت الساعات المتبقية بالسير على كورنيش المنصورة والمشاية السفلية حتى قادتها قدماها إلى شارع السكة الجديدة التي كانت منتزهها يوماً ما مع هاني الصعلوك كما لقبته في آخر لقاء بينهما
مر الوقت ببطء وهي تتسائل عن ماذا تريده من طيف حاتم ، لم تصل لإجابة سوى أنها تريد محادثته وتبادل الكلام معه وكأنها تنتظر أن تسمع إعادة لكلمات الإطراء التي صدتها يوماً ما ، قبل السادسة بثلث ساعة كانت هناك تقف بجوار الطابور تحاول أن تشغل نفسها بالعبث بهاتفها المحمول حتى يصل حاتم ، حضر الرجل .. ليس حاتم ولكنه هذا العجوز الأشيب وكأنه إتفق معهما على العودة ، قارب الأتوبيس على التحرك ولم يأتي الماضي الجميل ، وبدأ السائق في النداء بالتحرك .. تحركت بقلب يائس تحصل على تذكرة العودة ، وجدت مقعدها بجوار الرجل العجوز الأشيب الذي يلوك قطعة البسكويت بدون أسنان فتمتد شفتيه للأمام والخلف .. ولكنها لم تبتسم ، أخذت مقعدها بجوار النافذة في الوقت الذي بدأ يحادثها الرجل العجوز الذي لم يصعب عليها إكتشاف أنه متصابي
دفست وجهها بزجاج النافذة لتترك دمعة تنسدل من عينها لاتدري سبب خاص لها إلا أنها تحوي تراكمات وحنين لماضي ولّى ، وبينما تبدأ عجلات المركبة في التحرك .. شاهدت شبحه في بدايات ضوء الليل الخافت مترجلاً ، إنتفضت من مقعدها طالبة من السائق النزول وسط دهشة الجميع ، نزلت إلى الطريق غير مكترثة أنه آخر أتوبيس ينطلق من المحطة متوجها للقاهرة وإقتربت منه وإكتشفت ... أنه شخص آخر يشبهه
نظرت للأتوبيس المتحرك فلم ترى منه إلا شبحاً .. دمعة جديدة تلألأت في عينيها ولكنها تحجرت
أخذت ترقب الرجل العجوز رفيق الطريق من النافذة وهو يحتسي زجاجة مياة غازية مع قطعة بسكويت يلوكها بدون أسنان فتمتد شفتيه للأمام والخلف بطريقة كوميدية دفعتها للإبتسام ، إنكمشت في مقعدها كي توفر مساحة كافية للعجوز الذي أخذ طريقه للصعود بصورة لا تجعله يتلامس معها حيث كانت تنفر ملامسة أي جسد رجل لها بشكل مبالغ فيه ، تعداها الرجل وجلس في مقعد آخر يبعد عنها مسافة مقعدين في نفس اللحظة التي جاء القدر ليجد له مكاناً متمثلاً في حاتم رجلاً وقوراً في منتصف الثلاثينات تأففت على أثره ريهام موليه وجهها ناحية النافذة تفادياً لأي محاولة تعارف ، تحركت المركبة حتى وصلت بداية الطريق الزراعي الذي تغير كثيراً وحلت فيه كتل أسمنية قبيحة مكان مساحات ريفية خضراء ، دفعت ريهام لتغير وجهة نظرها لترمق بطرف عينيها الجالس بجوارها ولأول مرة تنتبه لحاتم
بالفعل إنه حاتم زميل درستها خلال أربعة أعوام في كلية الآداب إكتشفت لاحقا أنهما كانا من أفضل أعوامها ، كانت يومها فتاة مرحة منطلقة محط أنظار وإعجاب زملائها ومن بينهم حاتم ، تعود لتنظر بالنافذة لتتذكر هذا اليوم الذي تعتقد أنه كان اسوأ أيام حاتم على الإطلاق ، عندما حاول أن يعرب عن إعجابه بها في محاولة تشييد علاقة عاطفية مثل معظم الفتيات والشباب الذي يرتبط معظمهم بعلاقة خاصة مع زميل أو زميلة ، لم يكن يدرك وقتها أنها مرتبطة بهاني تلك العلاقة التي فشلت مثل فشل علاقات جميع قريناتها ، تتذكر إهانة هاني القاسية له في نفس اليوم عندما وبخه وسخر منه أمام الطلبة والطالبات بصورة وقحة عقدت لسان حاتم ، فلم يكن رده سوى نظرة لوم وتأنيب لها مازالت تتذكر حدتها بالرغم من عدم إكتراثها وقتها ، نظرت ريهام لحاتم الجالس بجوارها بطرف عينيها مرة أخرى عسى أن تجد منه أي نظرة يستطيع من خلالها أن يتعرف عليها ، ولكن كانت عينيه مثبته على صفحات كتاب إضطرت أن تنظر له بطريقة صريحة لتتبين عنوانه ، لمحت على الكتاب إسم ألبير كامي والعنوان كان "الغريب" ، إبتسمت للمصادفة محدثة نفسها أمازال هذا الرجل يقرأ أدب عالمي مع صراع الحياة اليومي ، تذكرت أنها هجرت القراءة يوم أصبحت زوجة لرجل سلبي مادي بخيل لايقل بخله عن شحه العاطفي معها ، تذكرت أن حاتم غاب عن الكلية لمدة إسبوعين كاملين عقب يومه الأسود وبعدها لم تره إلا على فترات متباعدة وكان دائماً يشيح بوجهه للجهة الأخرى إذا ما تلاقت الأعين ، وكأن حاتم مازال على عهده حتى اليوم في ألا ينظر لها
تسائلت ريهام عن من تكون زوجته .. جميلة أم دميمة ، محجبة أم متبرجة ، تعمل أم ربة منزل .. رسمت لها صورة ترضيها في هيئة ربة منزل ذات صلة قرابة مترهلة كئيبة متسلطة ، مع حركة المركبة المتهدهدة تبددت أمنيتها أن يتعرف عليها عندما أدركت أن يغط في نوم عميق دون صدور هذا الصوت التي إعتادت عليه منذ أصبحت تحمل لقب زوجة عندما يشرع شريك حياتها في النوم ، نومه العميق جعلها تتأمله دون تلصص وجدته وسيماً لم يغير النوم من قسمات وجهه المريحة ، لم يترهل وجهه ولم يفتح فمه مثلما إعتادت أن ترى شريكها ، عدلت من إتجاه وجهها للأمام عندما سمعت صوت هاتفه المحمول برنة تقليدية خافتة تشبه صوت رنة تليفون المنزل ، من المكالمة وبالرغم من صوته الخافض إستطاعت أن تدرك أنه هو الآخر في زيارة إستثنائية تنتهي في مغرب هذا اليوم بعدما ترك سيارته هو الآخر في القاهرة ليتفادى أعباء القيادة ، وكانت كلمة سر العودة تكمن في الساعة السادسة ، توقف الأتوبيس في نهاية الرحلة وقف بجوارها متأهباً للنزول وإلتفت إليها لأول مرة بوجه يحمل إبتسامة هادئة تزيل عناء الدنيا موجهاً حديثه لها في ستة كلمات " حمد الله على السلامة يامدام ريهام " ، أقعدتها المفاجأة عن الرد وعندما بادرت بالرد كان قد إختفى أثره وكأنه كان حلم
في جامعتها أمضت بعض الوقت في إسترجاع ذكريات الماضي وهي تنهي إجراءات إستخراج صورة من شهادة التخرج لعملها الجديد بعدما فقدت نسختها منذ أعوام طويلة ، جميلة هي الجامعة لم تتغير مثلما تغيرت أشياء كثيرة جميلة ، كانت ترى جامعتها أجمل الجامعات لازالت على عهدها جميلة ساحرة شابة نظيفة أنيقة ، لكنها لاحظت التغيير في شكل وملبس ووجوه الطلبة والطالبات ، لم يكن الحجاب ولم تكن اللحي بتلك الكثرة ، ولم يكن الإبتذال والتعاملات بهذا السوء ، أشرفت الساعة على الواحدة ظهراً عندما أنهت مهمتها وعلى وجهها إبتسامة عندما وجدت حرف د. معلق على يافطة إحدى الحجرات يسبق إسم زميلة لها كانت يوماً تتيم حباً بهاني الصعلوك الذي إرتبطت به مدة دراستها ، لم تتخذ ريهام وجهتها الطبيعية لمحطة الأتوبيس ولكنها إستغلت الساعات المتبقية بالسير على كورنيش المنصورة والمشاية السفلية حتى قادتها قدماها إلى شارع السكة الجديدة التي كانت منتزهها يوماً ما مع هاني الصعلوك كما لقبته في آخر لقاء بينهما
مر الوقت ببطء وهي تتسائل عن ماذا تريده من طيف حاتم ، لم تصل لإجابة سوى أنها تريد محادثته وتبادل الكلام معه وكأنها تنتظر أن تسمع إعادة لكلمات الإطراء التي صدتها يوماً ما ، قبل السادسة بثلث ساعة كانت هناك تقف بجوار الطابور تحاول أن تشغل نفسها بالعبث بهاتفها المحمول حتى يصل حاتم ، حضر الرجل .. ليس حاتم ولكنه هذا العجوز الأشيب وكأنه إتفق معهما على العودة ، قارب الأتوبيس على التحرك ولم يأتي الماضي الجميل ، وبدأ السائق في النداء بالتحرك .. تحركت بقلب يائس تحصل على تذكرة العودة ، وجدت مقعدها بجوار الرجل العجوز الأشيب الذي يلوك قطعة البسكويت بدون أسنان فتمتد شفتيه للأمام والخلف .. ولكنها لم تبتسم ، أخذت مقعدها بجوار النافذة في الوقت الذي بدأ يحادثها الرجل العجوز الذي لم يصعب عليها إكتشاف أنه متصابي
دفست وجهها بزجاج النافذة لتترك دمعة تنسدل من عينها لاتدري سبب خاص لها إلا أنها تحوي تراكمات وحنين لماضي ولّى ، وبينما تبدأ عجلات المركبة في التحرك .. شاهدت شبحه في بدايات ضوء الليل الخافت مترجلاً ، إنتفضت من مقعدها طالبة من السائق النزول وسط دهشة الجميع ، نزلت إلى الطريق غير مكترثة أنه آخر أتوبيس ينطلق من المحطة متوجها للقاهرة وإقتربت منه وإكتشفت ... أنه شخص آخر يشبهه
نظرت للأتوبيس المتحرك فلم ترى منه إلا شبحاً .. دمعة جديدة تلألأت في عينيها ولكنها تحجرت







